القسم: العامة | 2009/09/03 - 11:04 PM | المشاهدات: 317
يعيش بعض الناس في متاهات خيالية، ويتوقع حصول أمور أشبه ما تكون بتوقعات ذلك الإنسان الذي كان جالساً يوماً من الأيام أمام جرة من عسل، ثم راح يحدث نفسه بصوتٍ عالٍ ويقول :
سوف أبيع هذه الجرة وأشتري بها جرتين، ثم أبيع الجرتين بعد فترة وأشتري أربع ، وأبيع الجرار الأربع وأشتري ثماني جرار، وأبيع الثماني ليكون عندي ثمن بقرة. وإذا ما اشتريت البقرة، سأبيع حليبها كل يوم، وسوف أجمع المال لكي أشتري قطيعاً من الأبقار، ثم أتزوج ابنة الوالي، وإذا ما عصتني في أمر سأضربها في بطنها، هكذا، وما أن دفع رجله حتى سقطت الجرة على الأرض فانكسرت وضاع ما فيها من عسل على الأرض. إن أمنية هذا الرجل هي الأساس الذي يقوم عليه اقتصاد هذا الرجل، واقتصاد أمثاله قائمة على الأماني أما مقوّمات الاقتصاد الحقيقي هي تلك التي تحدث عنها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر لمّا بعثه بعهد الولاية على مصر : «وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه صلاحهم صلاحاً لمن سواهم، ولا صلاح من سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلاً» . وفي عهد سابور بن أردشير إلى ابنه كلامٌ يشابه كلام أمير المؤمنين عليه السلام في هذا العهد وهو قوله: «واعلم أن قِوام أمرك بدُرور الخراج ودرور الخراج بعمارة البلاد وبلوغ الغاية في ذلك استصلاح أهله بالعدل عليهم والمعونة لهم، فإن بعض الأمور لبعض سبب، وعوام الناس لخواصهم عدة وبكل صنف منهم إلى الآخر حاجة فاختر لذلك أفضلَ مَن تقدر عليه من كُتّابك وليكونوا من أهل البصر والعفاف والكفاية واسترسل إلى كل امرئ منهم شخصاً يضطلع به ويمكّنه من تعجيل الفراغ منه فإن اطلعت على أن أحداً منهم خان أو تعدّى فنكّل به وبالغ في عقوبته وأحذر أن تستعمل على الأرض الكثيرِ خراجها إلا البعيد الصوت العظيم شرف المنزلة. ولا تولينَّ أحداً من قواد جندك الذين هم عُدة للحرب وجُنة من الأعداء شيئاً من أمر الخراج فلعلك تهجُم من بعضهم على خيانة في المال أو تضييع للعمل فإن سوّغته المال وأغضيت له على التضييع كان ذلك هلاكاً وإضراراً بك وبرعيّتك وداعيةً إلى فساد غيره، وإن أنت كافأته فقد استفسدته وأضقت صدره وهذا أمر توقّيه حزم والإقدام عليه خُرق والتقصير فيه عَجز...» . من هنا لا بد من الانطلاق من الواقع العملي للإنسان وليس من خلال الأماني عندما نريد أن نتحدث عن الاقتصاد، يقول الله تعالى: ( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) . فما معنى قصد السبيل ؟ إن حقيقة القصد هو الاقتصاد على ما يقوّم حياة الإنسان وعدم التبذير في حياته. يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «عليكم بالقصد في المطاعم فإنه أبعد من السّرف وأصحُ للبدن وأعون على العبادة» ويقول عليه السلام : «من صحبَ الاقتصادَ دامت صُحبةُ الغِنى له وجَبرَ الاقتصادُ فقرَه وخَللهُ» . ويقول الإمام الرضا عليه السلام: «وليكن نفقتك على نفسك وعيالك قصداً فإن الله عزوجل يقول: (وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) . والعفو الوسط. قال الله تعالى: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ) . إننا نرى الكثير من الناس من يبذّر في حياته بداعي السخاء مثلاً، إلا أن الإمام الصادق عليه السلام يقول: «ليس السخي المبذّر الذي ينفق ماله في غير حقه ولكنه الذي يؤدي إلى الله عزوجل ما فرض عليه في ماله من الزكاة وغيرها، والبخيل الذي لا يؤدي حق الله سبحانه وتعالى في ماله» . كما نرى البعض من يبذر أمواله هنا وهناك لأجل التبذير أو لعدم قدرته على التصرف بأمواله و «من لم يُحسن الاقتصادَ أهلكه الإسرافُ»، وقد يبذر البعض أمواله إرضاءً لشهواته النفسية. يقول الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام: «عليك بالقصد فإنه أعونُ شيءٍ على حُسنِ العيش، ولن يَهلِكَ امرؤٌ حتى يُؤثرَ شهوتهُ على دينه». وهل تراه مؤمناً من يؤثر شهوته على دينه ؟ يقول الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام: «المؤمنُ سيرتُه القصدُ وسنّته الرشدُ» . قال الصادق عليه السلام: «أترى الله أعطى من أعطى من كرامته عليه ومنع من منع من هوان به عليه؟ لا، ولكن المال مال الله، يضعه عند الرجل ودائع، وجوّز لهم أن يأكلوا قصداً، ويشربوا قصداً، ويلبسوا قصداً، وينكحوا قصداً، ويركبوا قصداً، ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين ويلمّوا به شعثهم. فمن فعل ذلك كان ما يأكل حلالاً ويشرب حلالاً، ويركب حلالاً، وينكح حلالاً، وما عدا ذلك كان عليه حراماً ثم قال: (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) أترى الله ائتمن رجلاً على مال خوَّل له أن يشتري فرساً بعشرة آلاف درهم، ويجزيه فرس بعشرين درهماً، ويشتري جارية بألف دينار ويجزيه جارية بعشرين ديناراً وقال: (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) .