القسم: العامة | 2009/09/11 - 10:07 PM | المشاهدات: 296
إن الاحتفال بعيد أي عيد من شأنه أن يوقظ الوعي بالروابط التي بين أفراد الأمة، إذ لا تحتفل أي أمة ما بعيد من أعيادها إلا لذكريات تعيد لها صورة مجد أو صورة نصر وقع في الأيام التي تحتفل بها.
وهذا النصر أو هذا المجد الذي وقع في تاريخ الأمة، إنما وقع ما بين أفرادها من دوافع مشتركة نحو تحقيق هدف معين، فإذن الأحداث في تاريخ الأمة التي من شأنها أن تذكر بصور أمجادها وانتصاراتها تمثل أسباب قيام الأمة كما تصور مثلها الرفيعة التي تسعى إلى تحقيقها.
وعلى سبيل المثال في أمتنا الإسلامية – فإننا نرى العيدين: عيد الفطر ، وعيد الأضحى، يصوران مجداً ونصراً تم لأول مرة في اليوم الذي يحتفل به كل عام. وهو اليوم الأول من شوال في عيد الفطر، واليوم العاشر من ذي الحجة في عيد الأضحى. فاليوم الأول يمثل النصر بإتمام صوم شهر رمضان، بينما اليوم الثاني يصور الأداء لفريضة الحج. إن كلاً من شهر رمضان، والوقوف بعرفات له شأن كبير في تاريخ الأمة الإسلامية، ومنزلة بين الفرائض التي فرضت في تعاليم الإسلام. وفضلاً عن أن شهر رمضان هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن، أساس الهداية للمسلمين، ومصدر الروابط المشتركة بين أفراد الأمة الإسلامية، وموضع تحقيق مُثُلِها وأهدافها - فإنه نفسه يعبر بصومه عن انتصار الإرادة الإنسانية على الشهوة والرغبات التي من شأنها أن تبعد الإنسان عن أن يكون صاحب سيادة على نفسه، وعن أن يكون فاعلاً في حياة مجتمعه. والوقوف بعرفات – فضلاً عن أنه يصور انتصار المسلمين في اجتماعهم من جميع مشارق الأرض ومغاربها في مكان واحد وفي لحظة واحدة من اليوم الواحد - فإنه نفسه يعبر عن روح المساواة بين المسلمين جميعاً، سواء في وقوفهم لله مجيبين دعوته ومطيعين أمره بقولهم: (لبيك اللهم لبيك)، أو في تجردهم من مظاهر الدنيا بحيث لا يُعرف فقيرهم من غنيهم، ولا يعرف وضيعهم من سيدهم، ولا يعرف مشرقيّهم من مغربيهم إلا باللسان واللهجة. إذن فالعيد يُعيد للمسلمين صورة ذلك النصر المؤزر، وهو نصر الإرادة الإنسانية والتلاقي بين أفراد الأمة الإسلامية على الإيمان وحب الله والمساواة. وكما أن عيدي الفطر والأضحى يصوران هذا النصر للمسلمين، فإن هذا النصر نفسه لم يكن نصراً للأمة إلا بعد أن قامت روابط هذه الأمة على أساس من الإيمان بالإسلام وتحقيق أهدافها ومثلُها العليا. إذن لدينا عيدان يذكِّران المسلمين بتلك الروابط التي قام عليها مجتمعهم، كما يذكرانهم بتلك الأهداف التي يسعون إليها. وهي روابط لا تتصل بالدم ولا بعلاقة النسب، وإنما تتصل بالمثل الفاضلة، وهي تلك المثُل التي تصور مستوى الإنسانية الرفيع. ومن هنا كان الاحتفال بأي عيد منهما هو تذكير بتلك الروابط الإنسانية التي جمعت بين المسلمين في الأساس والغاية. ولأن وضع العيد في الأمة هو هذا الوضع، وهو الموقظ لذكريات تتصل بالعلاقات الإنسانية بين أفرادها - فإنه يتطلب الاحتفال به الإعلان عنه، تعريفاً به وتذكيراً قوياً لآثاره. ومن هنا كان من الاحتفال في العيدين: الفطر والأضحى في الإسلام جملة مظاهر تعبر عن هذا الإعلان. أولا: أن تكون القراءة في صلاته قراءة جهرية، وأن يكون اجتماع المسلمين لصلاة العيد في مكان خلوي، وأن يكون تكبيرهم في مكان الصلاة بصوت مسموع. هذا بالإضافة إلى ما يطلب من المسلمين من لبس الجديدٍ، على أنه يستحب أيضاً - كطريق لهذا الإعلان - أن يكون الذهاب إلى الاجتماع من طريق والرجوع من طريق آخر . عن الإمام الباقر عليه السلام قال: «أن النبي كان إذا خرج إلى العيد لم يرجع في الطريق الذي بدأ فيه بل يأخذ في طريق غيره»( ) . وهذه الصورة لإعلان الاحتفال بالعيد، ما هي إلا تعبير عن ذلك الشعور النفسي الداخلي بالفرح والسرور. وهو الفرح برباط الأخوة المشتركة، والسرور بالتقاء الأفراد على المثل العليا التي جمعت ووحدت بينهم. ولأن النفس عادة إذا تمَكّن منها داعي الفرح والسرور تخرج عن جديتها في الحياة لذلك نرى أن الإسلام قد أباح التعبير عن الفرح واللهو غير الضار وغير المفسد في هذا اليوم. إن الاحتفال بيوم العيد إذا أيقظ الروابط المشتركة بين أفراد الأمة التي تحتفل بها – فإن في مقدمة هذه الروابط الوحدة في القيم والمبادئ، ووحدة القيم والمبادئ كما تُشجّع على قوة الترابط بين الأفراد وتزيد من تواصلهم، فإنها تَحمُلهُم على أن يستمروا في سبيل هذه الوحدة وتلك القيم التي جاء بها الإسلام. إن أبرز شيء يمكن أن نستلهمه من ذكرى العيد والاحتفال به هو هذه الوحدة في القيم، والأخوة في الترابط التي تنشأ عنهما الصلات الأخرى من عطف القوي على الضعيف، وتودد الجار لجاره، ومواساته في الضراء، ومشاركته له في الفرح، ورعاية ذوي القربى واليتامى والمساكين، والمحافظة على الحرمات، من نفس ومال وعِرض.